حبيب الله الهاشمي الخوئي
403
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
رسولا يدلَّهم على الهدى وينجيهم من الرّدى كما قال تعالى : * ( لَقَدْ مَنَّ ا للهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِه ِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) * . وقوله ( وحواجز عافيته ) قال الشّارح المعتزلي : أي في عافية تحجز وتمنع عنكم المضار . أقول : وهو مبنىّ على كون الإضافة من قبيل إضافة الصّفة إلى الموصوف ، والأظهر الأقوى أنّ الإضافة لاميّة ، والمراد الموانع التي تمنع العافية عن الزّوال والعدم ، وتكون عائقة عن طريان المضارّ والآلام وعروض الأوجاع والأسقام على الأبدان والأجسام ، وعلى أىّ تقدير فالمراد بها نعمة الصّحة والسّلامة التي هي من أعظم نعم اللَّه سبحانه ، بل هي رأس كلّ نعمة وبها يدرك كلّ لذّة وبهجة . ثمّ قال ( وقدّر لكم أعمارا سترها عنكم ) وهذا أيضا من أعظم ما أنعم اللَّه تعالى به على خلقه إذ في إظهار مدّة العمر عليهم مفاسد لا تحصى كما أنّ في إخفائها منافع جاوزت حدّ الاستقصاء كما أشار إليها سادس الأئمة وصادق الامّة أبو عبد اللَّه جعفر بن محمّد سلام اللَّه عليهما وعلى آبائهما وأولادهما الطَّبين الطاهرين حيث قال في حديث المفضّل : تامّل الآن يا مفضّل ما ستر عن الانسان علمه من مدّة حياته ، فانّه لو عرف مقدار عمره وكان قصيرا لم يتهنّأ بالعيش مع ترقّب الموت وتوقّعه لوقت قد أعرفه ، بل كان يكون بمنزلة من قد فنى ماله أو قارب الفناء ، فقد استشعر الفقر والوجل من فناء ماله وخوف الفقر على أنّ الذي يدخل على الانسان من فناء العمر أعظم ممّا يدخل عليه من فناء المال لأنّ من يقلّ ماله يأمل أن يستخلف منه فيسكن إلى ذلك ومن أيقن بفناء العمر استحكم عليه اليأس . وإن كان طويل العمر ثمّ عرف ذلك وثق بالبقاء وانهمك في اللذات والمعاصي وعمل علي أنّه يبلغ من ذلك شهوته ثمّ يتوب في آخر عمره وهذا مذهب لا يرضاه